محمد بن جعفر الكتاني

127

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ويحكى : أنه أتى إليه مرة وقال له : « أعطني خبزة وخليعتين » « 1 » ، فامتنع من ذلك صاحب الترجمة لما فهم من إشارته بذلك لموت ولدين من أولاده ، وقال له : « أنا باللّه وبالشرع معك لا أعطيك شيئا » . فقال له : « لا بد من ذلك ! ! . ولا أذهب إلا إذا أخذتهما » . فدفعهما له [ 120 ] ودموعه تقطر على لحيته ، فذهب بهما ثم أتاه بعد ذلك بشاشيتين ؛ وقال له : « خذ هاتين بدل ما أعطيتني ؛ وهما بعالم وولي يكونان في نسلك لا ينقطعان إلى يوم القيامة . . . » . فرضي بذلك صاحب الترجمة . وما مضت بعد ذلك أيام ، حتى مات له ولد بالطاعون يسمى : إسماعيل ، كان أعز أولاده عنده ، وماتت له ابنة أخرى ؛ وظهر بعد ذلك مصداق ما أخبره به ، من وجود العلم والولاية في نسله والحمد للّه . وكان لصاحب الترجمة عدة كرامات يعلمها بعض من لازمه . ومن كراماته : أنه كان إذا رأى والدي في حال صغره يقول له : « مرحبا بقاضي القضاة ، ومفتى العلماء ! ! » ، فكان كما أخبره . فإنه اليوم مفتي فاس ، وتصدر القضاة بها كثيرا عن رأيه وفتياه . وقد عرض عليه القضاء في عدة حواضر من المغرب فامتنع منه ولم يقبله . وكذا كان يلقب غير واحد من أحفاده بلقب ؛ فيظهر مصداق لقبه له بعد ذلك . وأخبر بموته ، واشترى موضع قبره من حفدة الشيخ سيدي التاودي بزاويتهم ، وعين لهم الموضع الذي يدفن فيه قبل موته بنحو العشرين يوما . وقال لبعض حفدته من أبناء العم : « إذا جاء يوم الخميس ، فاعلمني به » . فلما كان يوم الخميس أعلمه به ، فقال له : « إذا كان العصر ؛ فأعلمني » ، فأعلمه به ، فأرسله وراء ولديه : جدي إدريس وعم والدي عمر ، فجاءا وهو يذكر اللّه تعالى ويرحب بالناس ويقول : « مرحبا بسيدي فلان . . . » ، ويسمي بعض الصحابة رضوان اللّه عليهم ، ومن معه لا يرى أحدا ، وما زال يذكر اللّه تعالى ويصلي على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم حتى خرجت روحه على قوله : اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق ، والخاتم لما سبق . على قوله : والخاتم لما سبق . وذلك يوم الخميس بعد صلاة العصر ثامن وعشري جمادى الأخيرة ، سنة أربع وستين ومائتين وألف . ودفن بالزاوية المذكورة تحت الخزانة الصغيرة التي عن يسار محرابها .

--> ( 1 ) الخليعة : قطعة القديد . وهو لحم مجفف يطهى بطريقة معينة .